النحلة
الشيخ/ ناصر بن محمد الأحمد
إن الحمد لله..
أما بعد:
قال الله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [(69) سورة النحل].
النحلة مخلوق عجيب من مخلوقات الله تعالى، هذه النحلة الصغيرة فيها من الأسرار ما يحير العقول والأفهام. لقد ألهم الله هذه النحلة وهداها وأرشدها إلى أن تتخذ من الجبال بيوتاً تأوي إليها، ومن الشجر ومما يعرشون، وليس للنحلة بيت غير هذه الثلاثة البتة، ثم أذن لها تعالى إذناً قدرياً تسخيرياً أن تأكل من كل الثمرات، وأن تسلك الطرق التي جعلها اللّه تعالى مذللة لها، مسهلة عليها حيث شاءت من هذا الفضاء العظيم والبراري الشاسعة والأودية والجبال الشاهقة. ثم تُخرج من بطونها هذا العسل اللذيذ مختلف الألوان، ما بين أبيض وأصفر وأحمر وأسود وأشقر، وغير ذلك من الألوان الحسنة بحسب اختلاف أرضها ومراعيها، فيه شفاء للناس من أمراض عديدة. فسبحان من خلق فسوى، وقدر فهدى وأخرج المرعى.
ومن عجيب شأنها أن لها أميراً يسمى "اليعسوب" لا يتم لها رواح ولا إياب ولا عمل ولا مرعى إلا به، فهي مؤتمرة لأمره سامعة له مطيعة، يدبرها كما يدبر الملك أمر رعيته، حتى إنها إذا آوت إلى بيوتها وقف على باب البيت فلا يدع واحدة تزاحم الأخرى، ولا تتقدم عليها في العبور، بل تدخل بيوتها واحدة بعد واحدة بغير تزاحم ولا تصادم كما يفعل الأمير إذا انتهى بعسكره إلى معبر ضيق لا يجوزه إلا واحداً واحداً.
إن من تدبر أحوال هذه النحلة الصغيرة في اجتماع شملها وسياساتها، وانتظام أمرها، وتدبير ملكها، وتفويض كل عمل إلى واحد منها، يتعجب كل العجب ويعلم أن هذا ليس في مقدورها ولا هو من ذاتها، فإن هذه أعمال محكمة متقنة في غاية الإحكام والإتقان {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[(14) سورة الملك].
إن في أحوال النحل وأعماله من العبر والآيات ما يبهر العقول. النحل مأمور بالأكل من كل الثمرات خلافاً لكثير من الحشرات التي تعيش على نوع معين من الغذاء، وتعجب أنها لا تأكل إلا الطيبات. زودها الله بشعيرات عصبية دقيقة يصل عددها إلى ثلاثين ألفاً تشكل حاسة الشم والسمع واللمس، وتعمل كالكشاف في ظلام الخلية، فسبحان من وهبها ذاك وبه زودها. للنحلة عيون كثيرة، مما جعل لها سعة أفق في النظر، فالنحلة ترى أقصى اليمين وأقصى الشمال والبعيد والقريب في وقت واحد، علماً بأن عيونها لا تتحرك فلا إله إلا الله. أما فم النحلة فمن أعاجيب خلق الله في خلقه، فهو شديد الحساسية لما هو حلو الطعم طبيعياً، ولا يتحرج من المواد المرّة، إذ يحولها إلى حلوة بإذن ربه الذي ألهمه، فسبحانه وبحمده لا شريك له. أمّا سمع النحل فدقيق جداً، يتأثر بأصوات لا تستطيع أن تنقلها أذن الإنسان، فسبحان من زوده بها. وتحمل النحلة ضعفي وزنها، وتطير به في خفة وحيوية. هناك من النحل مرشدات، عندما تجد مصدراً للغذاء تفرز عليه مادة ترشد إليه بقية النحل للرحيق، وعندما ينضب وينتهي الرحيق تفرز عليه المرشدات مواداً منفرة منه، حتى لا يضيع الوقت في البحث فيه، ثم تنتقل إلى مصدر آخر، فمن علّمها وأرشدها؟ إنه الله -جل جلاله-، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها فلا إله إلا هو. تستطيع النحلة خارج الخلية الرجوع إلى خليتها والتعرف عليها من بين آلاف الخلايا، بلا عناء ولا تعب، ولو ابتعدت عنها آلاف الأميال {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ} [(68) سورة النحل] تأمل قدرة الله بخلقه يوم جعل من النحل حرّاساً للخلية يستطيعون أن يميزوا كل غريب ودخيل عليهم من النحل، فيطرحوه خارجاً أو يقتلوه، علماً أن تعداد الخلية يصل إلى ثمانين ألف نحلة أو أكثر، فسبحان من ألهمه {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} [(88) سورة النمل]. والنحل من ألطف الكائنات وأنقاها وأنظفها، ولذلك لا تلقي مخلفاتها في خليتها، بل تطير ثم تلقيها بعيداً عنها، وتأبى النتن والروائح الكريهة، تأبى القذارة، ولذلك إذا رجعت إلى الخلية بالعشية، وقف على باب الخلية بوّاب منها، ومعه أعوان كثر، وكل نحلة تريد الدخول يشمها البواب ويتفقدها فإن وجد فيها رائحة منكرة، أو رأى بها قَذَراً منعها من الدخول.
في عالم النحل ملكة وعاملات، وفيه نظام وانضباط، وفيه تناغم واتساق وكلها مظاهر من عظمة الخالق المبدع الذي جعل من أمة النحل مثالاً يحتذى به في التعاون والنظام. الكل يعمل حسب سنه ودوره، المهندسات والبناءات يشيدن قرص النحل. والعاملات يقمن برحلات للكشف عن أماكن الرحيق. والكيميائيات يتأكدن من نضوج العسل وحفظه. والخادمات يحافظن على نظافة الشوارع والأماكن العامة في الخلية. والحارسات على باب الخلية يراقبن من دخل إليها ومن خرج، يطردن الدخلاء أو من أراد العبث بأمن الخلية. فمن علم هؤلاء كل هذا ومن أوحى لهنّ هذه الأدوار؟ إنه رب العالمين الذي يقول: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} [(38) سورة الأنعام].
وفي حياة النحل أسرار عجيـبة اكتشف الإنسان في العصر الحديث بعضاً منها، وما زال هناك الكثير من تلك الأسرار التي أودعها الله في ذلك الكائن الحي الذي أوحى إليه.
هل تعلم يا أخي الحبيب بعد بعض هذه الأسرار العجيبة في عالم النحل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شبه المؤمن بالنحلة. قال - صلى الله عليه وسلم -: ((مثل المؤمن مثل النحلة، إن أكلت أكلت طيباً، وإن وضعت وضعت طيباً، وإن وقعت على عود نخر لم تكسره)).
إن هذا التشبيه من النبي - صلى الله عليه وسلم - للمؤمن بالنحلة من جوامع كلمه - صلى الله عليه وسلم -: ((مثل المؤمن مثل النحلة، إن أكلت أكلت طيباً، وإن وضعت وضعت طيباً، وإن وقعت على عود نخر لم تكسره)).
من صفات النحلة أنها: قليلة الأذى، منفعتها شاملة، وهي قنوعة، وساعية بالليل، وتتنـزه عن الأقذار، وأكلها طيب، ولا تأكل من أكل غيرها، وهي مطيعة لأميرها.
وكذلك المؤمن: قليل الأذى، منفعته شاملة له ولغيره، يستفيد من المؤمن كل من يعيش حوله حتى البهائم والجمادات، والمؤمن قنوع، ويتنـزه عن الأقذار كالنحلة، ولا يأكل إلا من الحلال الطيب، ويتورع المؤمن مما فيه شبهه، وهو مطيع لأميره بالمعروف {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [(59) سورة النساء].
وإن للنحل آفات ينقطع بها العمل مثل: الظلمة والريح والدخان والماء والنار. وكذلك المؤمن له آفات تفقده من عمله: كظلمة الغفلة، وريح الفتنة، ودخان الحرام، ونار الهوى.
المؤمن كالنحلة لا يأكل إلا طيباً، شبهه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنحلة؛ لأن المؤمن أكله طيب لا يأكل من الحرام، المؤمن أكله من الحلال المحض يتحرى الحلال فلا يقع على حرام ولا شبهة، وإنما حلال خالص كما يقع النحل على الحلال الخالص فيمص من رحيق الأزهار المتنوعة، وكذلك المؤمن يأخذ من العلم المفيد والمسائل النافعة بجميع أنواعها، ينوع مصادر العلم ويتلقى عن أهل العلم الموثوقين، فيتفاعل هذا العلم في نفسه وهذا الإيمان فينتجان العمل الصالح المتنوع الشافي لنفسه، الذي يدرك به الدرجات العلى عند ربه، كما أن النحلة يتفاعل في بطونها هذا الرحيق الذي امتصته فتخرج به عسلاً مختلفاً ألوانه فيه شفاء للناس، وكذلك أعمال المؤمن فيه شفاء له ولغيره، وفيه منافع للناس.
النحلة مؤونتها قليلة ونفعها كثير، والمؤمن كذلك مؤونته قليلة وهو قنوع ليس بثقيل ظلٍ ونفعه كثير.
وهذه النحلة كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن وقعت على عود نخرٍ لم تكسره)) وكذلك المؤمن خفيف الظل ليس بثقيل كما قال سبحانه: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [(63) سورة الفرقان] يمشون بتواضع وتأدب لا مشية المتغطرس المتكبر الذي يظن أنه سيخرق الأرض أو سيبلغ الجبال طولا.
قَالَ عَلِيٌّ - رضي الله عنه -: "كُونُوا فِي النَّاسِ كَالنَّحْلَةِ فِي الطَّيْرِ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الطَّيْرِ شَيْءٌ إِلَّا وَهُوَ يَسْتَضْعِفُهَا، وَلَوْ يَعْلَمُ الطَّيْرُ مَا فِي أَجْوَافِهَا مِنْ الْبَرَكَةِ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ بِهَا، خَالِطُوا النَّاسَ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَأَجْسَادِكُمْ، وَزَايِلُوهُمْ بِأَعْمَالِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ، فَإِنَّ لِلْمَرْءِ مَا اكْتَسَبَ، وَهُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ مَنْ أَحَبَّ. رواه الدارمي. وهكذا المؤمن قد يُحتقر ويُنظر إليه بتواضع ويُنظر إليه بعين الذلة، ولكنه يشتمل في أثوابه على نفس أسد هصور بشجاعته وجرأته وقوله بالحق وعمله به وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وهو كذلك فيه نفع عظيم لكنه لا يظهر أعماله الصالحة، لا رياء عنده ولا تصنع ولا سمعة بل عنده إخلاص، يحسبه الناس ضعيفاً وهو عند الله عظيم.
النحلة لا تأكل بمرادها وبشهوة منها، بمقدار ما تأكل بأمر ربها لها، كما قال تعالى: {كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} [(69) سورة النحل] فتأكل من الحلو والمر لا تتعداه إلى غيره من غير تخليط، ولذلك طاب عسلها لذةً وحلاوةً وشفاءً. وكذلك المؤمن لا يأكل إلا طيباً ولو صبر على مر العيش فإن أكله حلال، فيكون بعيد الوقوع في الحرام والشبهات لا تهوى نفسه هذا الحرام ولو كان له جمال في الظاهر، فإنه في الباطن مرٌ كالعلقم، فإن الحرام أمرّ من العلقم. وكذلك المؤمن صلح باطنه وظاهره، أفعاله طيبة، وأخلاقه طيبة، وأعماله صالحة، ولا يمكن أن تكون الأعمال الصالحة إلا بعد طيب الغذاء، وبقدر حِلّ الغذاء تنمو أعماله وتزكو كما أن النحلة يعذب عسلها ويحلو فكذلك عمل المؤمن نابع من كسبه الحلال.
النحلة مطيعة لأميرها في كل شيء بنظام ودقة عجيبة، ولذلك كان من نتاج هذه الطاعة، هذا الطعام الحلو اللذيذ النافع. والمؤمن في تعاونه مع المؤمنين وبانقياده بالمعروف والطاعة لأميره، فإنه يثمر حسن النتاج، وهو يدافع عن عرين الإسلام ضد الأعداء كما تدافع النحلة عن عرينها وعن خليتها أشد المدافعة، وكذلك المؤمن يدافع عن عرين الدين، ويلسع كل من أراد أن يُقْدِم على هدم الإسلام بشبهة أو بقوة، فيدفعه المؤمن بقوة إيمانه وقوة جسده، ويستعمل أنواع القوى في دفع الأذى عن الدين وأهله.
إن النحلة وهي تدافع عن خليتها تلسع من يحاول الاقتراب منه، وهي في لسعها تشعر بالألم وقد تفقد حياتها في سبيل الحفاظ على عرينها.
والمؤمن في هذه الحياة وهو يدافع عن دينه ضد خصوم الشريعة وأعداء الملة يشعر بالألم، وقد يفقد حياته في سبيل دينه {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} [(4) سورة البلد] {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}[(6) سورة الانشقاق].
فيا أيها المؤمن: لا بد لك من الألم في هذه الحياة، ولا يمكن أن تستمر الحياة بدون ألم، والله بحكمته وعدله ركب الألم في الإنسان، وهو العليم الخبير؛ ليسعى العباد في تحصيل منافعهم الدنيوية والأخروية، فالألم ليس مذموماً دائماً فقد يكون هذا الألم خيراً للعبد من عدمه. فالدعاء الحار المستجاب بإذن الله يأتي مع الألم، والتسبيح الصادق يصاحبه الألم، وحمل النفس على طاعة الله والصبر على أدوائها يكون معه ألم، والصبر عن ارتكاب المعاصي واجتنابها، والصبر على الأقدار أن لا يتسخطها، كل ذلك يكون مع الألم. وتأمل الطالب حال التحصيل، فحمله لأعباء الطلب يثمر عالماً فذاً؛ لأنه احترق في البداية فأشرق في النهاية، أما الطالب الذي عاش حياة الراحة والدعة ولم تنضجه الأزمات، ولم تكوه الملمات، فهذا الطالب يبقى كسولاً مترهلاً فاتراً، فكمال النهايات يكون بألم ومشقة في البدايات.
وأسمى من ذلك وأرفع، حياة المؤمنين الأولين الذين عاشوا فجر الرسالة ومولد الملة، فإنهم أعظم إيماناً، وأبر قلوباً، وأصدق لهجة، وأعمق علماً؛ لأنهم عاشوا الألم والمعاناة، ألم الجوع والفقر والتشريد، وألم الأذى والطرد والإبعاد، وألم فراق المألوفات وهجر المرغوبات، وألم الجراح والقتل والتعذيب، كل ذلك في سبيل الله، فكانوا بحق، الصفوة الصافية والفرقة الناجية، آيات في الطهر، وأعلاماً في النبل، ورموزاً في التضحية قال الله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [(120) سورة التوبة].
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((مَنْ خَافَ أَدْلَجَ، وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ، أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ)) [رواه الترمذي]. فأخبر النبي أن الخائف المسرع في مرضاة الله هو المحصّل لجنة الله الغالية، خلافاً لغيره. وجاء رجل إلى الإمام أحمد - رحمه الله - فقال له: متى الراحة؟ قال: عند أول قدم نضعها في الجنة.
كيف هُدمت قلاع الشرك والنفاق؟ وكيف قُوضت دولة الكفر في فجر الدعوة؟ كيف انتشر الإسلام وعمت ربوعه نواحٍ كثيرة من الأرض في فترة وجيزة من عمر التاريخ؟ كل ذلك وغيره لم يحصل إلا بشيء من التضحية والمعاناة والألم. لذلك كان الألم نعمة من نعم الله على العباد، وحافزاً لهم لابتغاء مرضاته، والعبد إن يعش مشبوب الفؤاد، ملذوع النفس، أرق له وأصفى من أن يعيش بارد المشاعر، فاتر الهمة، خامل النفس، كما قال الله تعالى عن المنافقين: {وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ} [(46) سورة التوبة].
إنك يا عبد الله مخيَّر بين أن تسلك أسباب التوفيق، أو أن تسلك أسباب الخذلان، وكلاهما من خلق الله، فأسباب التوفيق منه، ومن فضله، وهو الخالق لهذه وهذه، كما خلق أجزاء الأرض، هذه قابلة للنبات، وهذه غير قابلة له. وخلق -جل وتعالى- الشجر، هذه تقبل الثمرة، وهذه لا تقبلها. وخلق النحلة قابلة؛ لأن يَخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه وخلق الزنبور غير قابل لذلك. وخلق الأرواح الطيبة قابلة لذكره وشكره وإجلاله وتعظيمه وتوحيده ونصيحة عباده، وخلق الأرواح الخبيثة غير قابلة لذلك بل لضده، وهو الحكيم العليم. فاختر يا عبد الله لنفسك ما تشاء.
اعلم أخي الحبيب: أنك ستواجه مصاعب جمة ومتاعب كثيرة وابتلاءات عديدة وأنت تسير في طريق العمل للإسلام، فإذا ما صبرت وتحملت، فإن الألم سيزول، والتعب سيذهب، ويبقى لك الأجر والثواب إن شاء الله. ألا ترى أن الصائم الذي يصوم في حر الصيف يذهب ألم جوعه وعطشه مع أول رشفة ماء وهو يردد قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله)). فمع دخول أول قدم في الجنة سيزول عنك كل تعب لاقيته، وكل نصب أصابك، ويقال لك: هل رأيت بؤساً قط؟ فتقول بعد أن تغمس في الجنة غمسة: "لا والله يا رب! ما رأيت بؤساً قط". لقد تبدد تعبك، بل تحول إلى فرحة وسعادة، فقد ثبت لك الأجر والثواب، وزادك الله من فضله فحينئذٍ تتمنى أن لو كنت بذلت أكثر، وتعبت أكثر وأكثر في سبيل دينك، وسهرت أكثر وأكثر من أجل ربك، وسافرت وتركت من الدنيا أكثر، وضحيت في سبيل الله أكثر وأكثر، بل تتمنى كما يتمنى الشهيد أن لو عدت إلى الدنيا لتقتل في سبيل الله ثم تحيا ثم تقتل ثم تحيا ثم تقتل، لما رأيت من فضل الله وإكرام الله للشهداء.
اعلم أن من تعاطى أسباب الصبر رزقه الله الصبر، ومن تعاطى أسباب الوهن والجزع والخذلان أصيب بما تعاطى أسبابه {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللّهُ وَلكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [(33) سورة النحل]. فعليك أخي المؤمن، يا من شبهك النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنحلة، عليك بالمصابرة، صابر نفسك فترة من الزمان ستجد أنها أصبحت بعد ذلك من النفوس الصابرة، بل الراضية إن شاء الله، ولقد قال أحد السلف: "سُقت نفسي إلى الله وهي تبكي فما زلت أسوقها حتى انساقت إليّ وهي تضحك". فإذا اشتدت عليك المتاعب وكثرت عليك الأعباء وحدثتك نفسك الأمارة بالسوء أن تركن إلى الدنيا ولو لفترة أو وجدت نفسك الأمارة بالسوء تمردت عليك، فعليك أن تسوس هذه النفس حتى تسلم قِيادها لك ويسلس أمرها معك، وتستجيب لأمر الله وهي راضية بعد أن كانت كارهة. سافر أحد طلاب بشر الحافي معه في أحد أسفاره فعطش الرجل في الطريق فقال له: نشرب من هذه البئر، فقال بشر: اصبر إلى البئر الأخرى، فلما وصلا إليها قال: البئر الأخرى، فما زال يعلله كلما جاء إلى بئر قال له البئر الأخرى.. ثم التفت إليه فقال له: هكذا تنقطع الدنيا.
عليك أخي الكريم أن تتأمل حياة الأنبياء والرسل -عليهم السلام- وهم صفوة الخلق وأكرمهم عند خالقهم وأحبهم إليه سبحانه، فقد ألقي في النار إبراهيم -عليه السلام-، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحي، ومكث أيوب في البلاء سنوات فقد فيها ماله وولده، وسجن في بطن الحوت يونس، وبيع يوسف بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين، ولبث بعد ذلك في السجن بضع سنين، كل ذلك وهم راضون بقدر الله وراضون عن ربهم ومولاهم الحق. فكن يا أخي من الذين لا يزاحم تدبيرهم تدبير مولاهم، ولا يناهض اختيارهم اختياره سبحانه، فاختيار الله لعبده المؤمن هو أعظم اختيار، وهو أفضل اختيار مهما كان ظاهره صعباً أو شاقاً أو فيه هلكة للمال أو ضياع للمنصب والجاه أو فقدٌ للأهل والولد، أو حتى ذهاب للدنيا بأسرها.
إن الدين لا يقوم إلا على أكتاف أولي العزمات من الرجال، ولا يقوم أبداً على أكتاف المترخصين والمترفين وحاشاه أن يقوم على أكتافهم، فالدين العظيم لا يقوم إلا أكتاف العظماء من الرجال، المسؤولية الجسيمة التي ناءت بحملها السماوات والأرض لا يمكن أن يقوم بها إلا أهلها ورجالها. إن العزمة التي نريدها منك أخي الداعية عزمة شاملة، عزمة في العلم والعمل، عزمة في الدعوة والجهاد، عزمة في الإيمان واليقين والصبر والرضى، عزمة في الحسبة والصدع بالحق، عزمة في إصلاح النفس وهداية الخلق. إننا لا نريدها عزمة ناقصة تقتصر على مجال واحد، بل نريد ذلك الذي سمت همته في شتى مجالات العمل الإسلامي وليس في مجال دون مجال، أو في ناحية على حساب أخرى، نريد عزمة كاملة شاملة تامة. وليس هناك أبلغ مما قاله الإمام ابن القيم -رحمه الله- في كتابه طريق الهجرتين عندما قال: "ومنهم السالك إلى الله في كل واد، الواصل إليه من كل طريق، فهو جعل وظائف عبوديته قِبلة قلبه ونصب عينه يؤمها أين كانت، ويسير معها حيث سارت، قد ضرب مع كل فريق بسهم، فأين كانت العبودية وجدته هناك، إن كان علم وجدته مع أهله أو جهاد وجدته في صف المجاهدين، أو صلاة وجدته في القانتين، أو ذكر وجدته في الذاكرين، أو إحسان ونفع وجدته في زمرة المحسنين، أو محبة ومراقبة وإنابة إلى الله وجدته في زمرة المحبين المنيبين، يدين بدين العبودية أنى استقلت ركائبها، ويتوجه إليها حيث استقرت مضاربها. لو قيل له: ما تريد من الأعمال؟ لقال أريد أن أنفذ أوامر ربي، حيث كانت وأين كانت، جالبةً ما جلبت، مقتضيةً ما اقتضت، جمعتني أو فرقتني، ليس لي مراد إلا تنفيذها والقيام بأدائها، مراقباً له فيها، عاكفاً عليه بالروح والقلب والبدن، قد سلّمت إليه المبيع منتظراً منه تسليم الثمن {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ}[(111) سورة التوبة]. انتهى كلامه- رحمه الله-.
إن النفس الإنسانية لا بد لها أن تتحرك فإذا هي كفّت عن الشر ولم تتحرك للخير، بقى فيها فراغ وخواء، قد يردها إلى الفساد والعياذ بالله إن كل واحد منا سائر لا واقف إما يميناً أو شمالاً، أو أماماً أو خلفاً، ليس هناك وقوف البتة، إنما هي مراحل تطوى إلى الجنة. مسرع ومبطئ متقدم ومتأخر {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} [(37) سورة المدثر].
إن العمل للإسلام ليس نشاطاً من الأنشطة تمارسه في أوقات فراغك وتتركه ساعة شغلك.. كلا!! إنه أعظم وأجلّ من ذلك بكثير، وقضية انتمائك لهذا الدين أكبر من ذلك بكثير، فالإسلام ليس نشاطاً من الأنشطة، كالنشاط الثقافي أو الرياضي تمارسه وأنت طالب وتتركه حين تتخرج، أو تمارسه وأنت أعزب وتتركه بعد الزواج، أو تعطيه وقتك قبل الوظيفة فإذا ما صرت موظفاً تركته وأهملته، حاشا وكلا أن يكون العمل للإسلام كذلك.
اعلم أنك وقف لله تعالى، إن قضية العمل للإسلام والانتماء له هي قضية عبوديتك الحقة لله -عز وجل-، فلن ينخلع المسلم عن العمل للدين بمقتضى عبوديته لله إلا مع آخر نفسٍ يخرج منه في هذه الحياة قال الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [(99) سورة الحجر] ولقد فهم سلفنا الصالح -رضوان الله عليهم- هذه الحقيقة البسيطة والهامة في دين الله -عز وجل- فوجدنا أن عمّار بن ياسر كان يقاتل في سبيل الله وهو في التسعين من عمره! وأقول كان يقاتل ولم أقل كان يدعو أو يعلم الناس أو يقوم بالحسبة فقط، ولكن كان مع ذلك كله يقاتل في سبيل الله وهو في ذلك العمر الذي يرق فيه العظم، ويهن فيه الجسم، ويشيب فيه الشعر، وتضعف فيه القوى. وكان أبو سفيان بن حرب يحرّض المقاتلين على القتال وقد جاوز السبعين من عمره، وكذلك اليمان، وثابت بن وقش قاتلا في غزوة أحد بالرغم من سنهما الكبير وقد جعلهما النبي -صلى الله عليه وسلم -في مؤخرة الجيش مع النساء، ولماذا نذهب بعيداً؟ فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سبع وعشرين غزوة، وتلك الغزوات كلها غزاها بعد أن جاوز الرابعة والخمسين من عمره الشريف، بل إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شهد غزوة تبوك وقاد المسلمين فيها وكانت من أصعب الغزوات وأشدها عليهم وقد بلغ الستين من عمره -صلى الله عليه وسلم-. فما بالنا اليوم نرى الكثير يتركون العمل للإسلام بعد التخرج أو الزواج أو الوظيفة أو غيرها!! فليعلم هؤلاء أن أمر الدين ليس عبثاً أو لهواً {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ} [(15) سورة النور]. إن عاقبة النكوص وخيمة لاسيما لمن عرف الحق ثم انصرف عنه، ولمن ذاق حلاوة الحق ثم انغمس في الباطل {فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَى نَفْسِهِ} [(10) سورة الفتح]. إن قضية العمل للإسلام قضية خطيرة، وللأسف قد ينظر إليها البعض ممن يشاركون وكأنها شركة تجارية، فما أن تنفض الشركة وتنتهي الأعوام الدراسية في الجامعة مثلاً أو تنتهي فترة الزمالة والصداقة مع فلان أو فلان حتى تنتهي القضية برمتها!!.
إنك تُسرّ كثيراً عندما ترى مئات الشباب وربما آلافاً أحياناً في بعض المحاضرات أو المناسبات، لكنك إذا ما ذهبت تعد العاملين منهم الذين يعملون للإسلام بجد واجتهاد وعزيمة، ممن يصدق عليهم فعلاً مسمى العاملين للإسلام فإنهم لن يجاوزوا العشرات، فأين هذه الآلاف والمئات من العمل والبذل والعطاء؟ أين هم من ميادين الدعوة والحسبة وغيرها؟ إنهم يلعبون دور المتفرج فحسب ويكتفون بذلك؛ لأنهم اكتفوا بدرجة انتقالهم من الجاهلية إلى الالتزام بالإسلام، ثم بعد ذلك توقفوا عند هذه الدرجة فلا يرون مفارقتها إلى درجات أخرى، أو حتى بدرجة إعداد أنفسهم للبذل والعطاء في مجالات العمل الإسلامي المختلفة، وإذا سألت أحدهم عن عطائه للإسلام وعمله في سبيل الدين فإنك تجده مستمعاً فقط فهو يحضر وكفى، سلبي لا عطاء له، مقصّر حتى في مجال إعداد نفسه، يمر عليه العام وأكثر ولم يقرأ سوى كتاب أو كتابين من الكتب النافعة التي يجب على مثله أن يقرأ مثلها في أسبوع. إن هذه المشكلة تضيّع على الإسلام آلاف الطاقات التي كان يجب أن تتفجر في ميادين العمل الإسلامي المختلفة. إن هؤلاء الذين لا يعطون للإسلام إلا الفضلة من أوقاتهم، والقليل من أموالهم، والضعيف من جهودهم، هؤلاء لا بد أن يعلموا جيداً أن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وكما أن الله لا يقبل الرديء من الطعام إذا تصدقت به، فكذلك لا يقبل منك الرديء من العمل إذا اخترت أن تعطيه للإسلام قال الله تعالى: {وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} [(267) سورة البقرة]. إن الإسلام أخي الحبيب يريد منك جل وقتك وأكثر مالك وزهرة شبابك، إنه يريدك كلك، يريدك في وقت نشاطك لا في وقت خمولك، يريدك في وقت شبابك وقوتك وصحتك قبل هرمك، إنه يريد من كل شيء منك أطيبه وأحسنه وأجلّه وأعظمه. إن الإسلام يريد ذلك الرجل الذي يعطي كل شيء لدينه، يعطي حياته ووقته وماله وبيته وسيارته وكل ما يملك، إننا نريد الرجل الذي يبيع نفسه لله بما تحمل هذه الكلمة من معانٍ، نريد الرجل الذي يكون له في كل يوم عطاء جديد للإسلام.
إن الإسلام يريد اليوم من كل داعية وكل طالب علم أن يقول لنفسه: هل من الإنصاف أن أستريح وإخواني يتعبون؟ أو أترك العمل للإسلام وأنا أرى ما يعيشه المسلمون من محن قاسية وحرب ضروس مع أعدائهم؟ أن يقول لنفسه كما قال الصحابي الجليل أبو خيثمة يوم تأخّر عن اللحاق برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تبوك فقال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الضّحّ والريح والحرّ، وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام مهيأ وامرأة حسناء، في ماله مقيم! ما هذا بالنّصَف. إن هذه الكلمات العظيمة يجب أن يقولها كل مؤمن لنفسه وأن يحدث بها نفسه دائماً.
إن عجلة عملَك للإسلام إذا دارت فإياك ثم إياك أن توقفها لحظة بحجة أو بأخرى، فإنك إن فعلت أوشَكَت أن لا تدور أبداً، وإن دارت بعد ذلك دارت بمشقة، فالحسنة تدل على أختها، والطاعة تدعو إلى شقيقتها، والبر يدعو إلى صنوه، والكسل والبطالة كذلك. تذكّر دوماً أنك على ثغر من ثغور الإسلام فالله الله أن يؤتى الإسلام من قبلك، فمن ترك ريّ زرعه مرة أو مرات قليلة فسدت وما صلح لها ثمر، صِل يا أخي الكريم ليلك بنهارك وصباحَك بمسائِك وصيفك بشتائك، فأين المقتدون برسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ وأين وارثو النبوة؟ وأين السالكون لطريقه المقتفون لأثره؟ فحقاً ((الناس كإبل مائة، لا تكاد تجد فيها راحلة)) كما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وإننا مع كل هذا نبحث عن تلك الراحلة التي تتحمّل عناء الطريق، وقسوة الطقس، وقلة العلف، وثقل الحِمل. إن الواقع الآن محتاج إلى كل جهد مهما ضئل حجمه، وصغرت مساحته، وقل عدده، فعند الله لا يضيع مثقال ذرة {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} [(7) سورة الزلزلة]. الأمة بحاجة إلى مضاعفة الجهد، وتكثيف العطاء، وترجمة الكلام إلى عمل. آفة الأمة، كثرة الشاكين المتوجعين، وقلة المداويين. كثرة من يسبون الظلام وقلة من يوقدون ولو شمعة، نعم لم يعد أحد هناك إلا ويشكو فمن المشكو منه. إذن: إن علينا أن ننتقل من دائرة الشكوى إلى دائرة العمل المتواصل الدؤوب. لا ترضى أخي المسلم أن تكون من المتفرجين، تنتظر العمل من الآخرين، تنتظر حتى يأتي شخص من الخارج، فيصلح لك أوضاع بيتك، بل يعمل الجميع وكل على قدر جهده وطاقته. من استطاع منكم أن يميط شوكة من طريق فليمطها، ومن استطاع منكم أن يبذر حبة فليبذرها، من كان عنده علم دعا به، ومن كان عنده مال دعا به، فالمسئولية على الجميع، كل بحسبه. والأمة كلها مسؤولة عن فرائض الله وحدود الله وشرائع الله وتحكيم كتاب الله. إن المستمع عليه من المسئولية كما على المتكلم، مسؤولية تحويل الكلام إلى عمل، والأفكار إلى وقائع، وإن اختلفت درجة المسؤولية، المسلم مطالب بالعمل إلى آخر رمق، لو قامت الساعة وبيده فسيلة فاستطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها.
وأخيراً: فإن من أعظم نتاج النحل هذا العسل، ومن أعظم نتاج المؤمن العمل الصالح، فكن يا عبد الله كالنحلة تلقُط خيرًا وتلقي شهدًا. قال الله تعالى عن نتاج النحل: {يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاء لِلنَّاسِ} [(69) سورة النحل]. وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-: ((أن رجلاً جاء إلى رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله: إن أخي استطلق بطنه، فقال: "اسقه عسلاً" فذهب فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال: يا رسول اللّه: سقيته عسلاً فما زاده إلا استطلاقاً. قال: "اذهب فاسقه عسلاً" فذهب فسقاه عسلاً، ثم جاء فقال: يا رسول اللّه: ما زاده إلا استطلاقاً، فقال رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-: "صدق اللّه وكذب بطن أخيك، اذهب فاسقه عسلاً" فذهب فسقاه عسلاً فبرئ))[أخرجه البخاري ومسلم].
وفي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها-: ((أن رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- كان يعجبه الحلواء والعسل)).
وفي صحيح البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم-: ((الشفاء في ثلاثة: في شرطة محجم، أو شربة عسل، أو كية بنار، وأنهى أمتي عن الكي)).
إن الشفاء الحاصل من العسل حُرِمه كثير من الناس، ولا ريب أن العسل شفاء كما أن القرآن شفاء، ولم يصف الله في كتابه بالشفاء إلا القرآن والعسل، فهما الشفاءان، هذا شفاء القلوب من أمراض غيها وضلالها وأدواء شبهاتها وشهواتها، وهذا شفاء للأبدان من كثير من أسقامها وأخلاطها وآفاتها. والمحروم من حرمه الله، فهذا كتاب الله هو الشفاء النافع، وهو أعظم الشفاء، لكن ما أقل المستشفين به، بل لا يزيد الطبائع الرديئة إلا رداءة ولا يزيد الظالمين إلا خساراً. وفي المقابل كم عوفي به من مريض، وكم قام مقام كثير من الأدوية التي لا تبلغ قريباً من مبلغه في الشفاء، ونحن نرى كثيراً من الناس بل أكثرهم لا نصيب لهم من الشفاء بذلك أصلاً قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [(57) سورة يونس]. فكثير من الناس يُحرم خير منافع كثيرة تكون حوله وقريبة منه، والسبب أنه لا يهيء نفسه للاستفادة من هذا الخير. فكما أن العسل شفاء وقد نص الله على ذلك، لكن يَحرم نفسه من هذا الشفاء كثير من الناس، فكذلك كثير من المنافع تكون مبثوثة حول الإنسان ويَحرم نفسه خيرها ونفعها. وإلاّ فهذه الدروس والمحاضرات، كم عدد المستفيدين منها؟ وهذه الدعوة تسير قافلتها فكم عدد الملتحقين بها؟ وهذه أبواب مساعدة الفقراء والأيتام وبذل الصدقات للمحتاجين، كم نسبة المشاركين فيها؟ نسمع يومياً بعشرات المنكرات حولنا فيما نرى ونسمع ونقرأ، فأين هم المنكرون لها؟ أبواب الخير من تفقد الجيران وصلة الأرحام والسؤال عن الأقارب والأصحاب، كم من المسلمين يتفاعل معها؟ وهذه مآسي الأمة وجراحاتها تحتاج إلى بذل المسلمين من أجلها، فكم عدد المتألمين لواقع أمتهم؟ وكم هم الذين نالوا أجر المساهمة في تضميد جرح من جراحاتها؟.
فيا عبد الله: لقد شبهك النبي -صلى الله عليه وسلم- بالنحلة فلا تحرم نفسك خير هذا التشبيه، وكن عنصراً فعالاً تفيد وتستفيد.
والحمد لله أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم...